(إعادة برمجة الأنظمة الميكروبية: البايولوجيا التركيبية Synthetic Biology وهندسة العاثيات Phage Engineering: استراتيجيات الجيل القادم لمكافحة مقاومة المضادات الحيوية)

(إعادة برمجة الأنظمة الميكروبية: البايولوجيا التركيبية Synthetic Biology وهندسة العاثيات Phage Engineering: استراتيجيات الجيل القادم لمكافحة مقاومة المضادات الحيوية)

(إعادة برمجة الأنظمة الميكروبية: البايولوجيا التركيبية Synthetic Biology وهندسة العاثيات Phage Engineering: استراتيجيات الجيل القادم لمكافحة مقاومة المضادات الحيوية)

 

م.د. المثنى خميس حميد / قسم الفيزياء الطبية

 

تمثل مقاومة المضادات الحيوية إحدى أخطر التحديات الصحية في القرن الحادي والعشرين، إذ تشير التقديرات الوبائية الحديثة إلى ارتباطها بأكثر من مليون وفاة سنوياً على مستوى العالم، مع توقعات بتزايد العبء المرضي إذا لم تُطوَّر استراتيجيات علاجية مبتكرة. لقد أدى التسارع الكبير في تطور السلالات البكتيرية المقاومة مقارنة بوتيرة اكتشاف مضادات حيوية جديدة إلى إضعاف النموذج العلاجي التقليدي القائم على تطوير جزيئات كيميائية قاتلة للبكتيريا. في هذا السياق، برزت البيولوجيا التركيبية وهندسة النظم الجينية كتحول مفاهيمي جذري ينقلنا من فكرة “الدواء كجزيء” إلى “العلاج كنظام بيولوجي مبرمج” قادر على الاستشعار والاستجابة الدقيقة داخل البيئة المرضية.

أتاحت التطورات في تصميم الدوائر الجينية الاصطناعية إمكانية هندسة بكتيريا غير ممرِضة، مثل سلالات معدلة من  Escherichia coli، لتعمل كمنصات علاجية ذكية. تعتمد هذه الالية على إدخال بلازميدات أو إدماجات جينومية تحتوي على نظم استشعار بايولوجية قادرة على التعرف على إشارات مرتبطة بالعدوى، مثل جزيئات الاتصال البكتيري المعروفة بـ quorum sensing، أو التغيرات الموضعية في درجة الحموضة، أو نقص الأكسجين في الأنسجة الملتهبة، أو بعض مكونات الجدار الخلوي البكتيري. عند التقاط هذه الإشارات، تُفعَّل دوائر منطقية جينية مصممة وفق بوابات تنظيمية من نوع AND وOR، بحيث لا تُطلق الاستجابة العلاجية إلا عند تحقق شروط محددة بدقة. وتتمثل الاستجابة في إنتاج جزيئات فعّالة مثل Bacteriocins ذات الطيف الضيق التي تستهدف سلالات بعينها مع الحفاظ النسبي على Microbiome النافع، أو إفراز إنزيمات حالّة لجدار الخلية البكتيرية، أو إنزيمات قادرة على تفكيك مصفوفة الغشاء الحيوي التي توفر للبكتيريا المقاومة حماية فيزيائية وكيميائية تعيق وصول المضادات الحيوية. غير أن توظيف كائنات حية مهندسة داخل الجسم البشري يفرض تحديات تتعلق بالسلامة الحيوية، مما دفع إلى تطوير أنظمة أمان مدمجة، مثل مفاتيح القتل الذاتي المعتمدة على شروط بيئية محددة، أو دوائر اعتماد اصطناعي تمنع استمرار البكتيريا في التكاثر خارج البيئة العلاجية المقصودة.

ولم يقتصر الإبداع العلمي على إعادة برمجة البكتيريا، بل امتد إلى هندسة العاثيات Phages ، وهي الفيروسات المتخصصة طبيعياً في إصابة البكتيريا. فقد أعادت أدوات التحرير الجيني، وعلى رأسها منظومات CRISPR–Cas، إحياء الاهتمام بالعلاج بالعاثيات من خلال إتاحة تعديل جينوماتها بدقة عالية. أصبح من الممكن إعادة هندسة بروتينات الارتباط في ذيول العاثيات لتوسيع أو إعادة توجيه نطاق العائل البكتيري، كما يمكن تزويدها بحمولات جينية إضافية تؤدي وظائف علاجية متقدمة. ومن بين أكثر التطبيقات الواعدة استخدام العاثيات كناقلات لإيصال أنظمة CRISPR تستهدف جينات المقاومة نفسها، مثل الجينات المشفرة لإنزيمات تحطيم البيتا-لاكتام أو بروتينات الارتباط المعدلة، مما يؤدي إلى إسكات هذه الجينات أو تعطيلها وإعادة حساسية البكتيريا للمضادات الحيوية التقليدية. إضافة إلى ذلك، يمكن تعزيز قدرة العاثيات على اختراق الأغشية الحيوية عبر إدخال جينات تُعبِّر عن إنزيمات محللة للسكريات خارج الخلوية أو البروتينات المكونة لمصفوفة الـ biofilm، وهو ما يزيد من كفاءة القضاء على المستعمرات البكتيرية المزمنة.

تتجه الأبحاث كذلك نحو تطوير أنظمة تجمع بين التشخيص والعلاج فيما يُعرف بالمقاربات العلاجية التشخيصية (Theranostic approaches)، حيث تُصمم الكائنات الدقيقة المهندسة لتوليد إشارات قابلة للرصد عند التعرف على بيئة مرضية معينة، بالتوازي مع تفعيل البرنامج العلاجي المناسب. ورغم أن هذه التطبيقات ما تزال في مراحل ما قبل السريرية في معظمها، فإنها تعكس اتجاهاً علمياً يسعى إلى بناء أنظمة بايولوجية تستجيب ديناميكياً للبيئة الميكروبية بدلاً من الاعتماد على تدخل دوائي ثابت وغير متكيف. ومع ذلك، تبقى هناك تحديات معقدة تتعلق بالاستقرار الجيني طويل الأمد، واحتمالات النقل الجيني الأفقي غير المرغوب، والتفاعل مع الجهاز المناعي البشري، إضافة إلى الأطر الأخلاقية والتنظيمية الحاكمة لاستخدام كائنات معدلة وراثياً داخل الجسم.

إن التحول من استراتيجية الإبادة الواسعة للبكتيريا إلى مقاربة الاستهداف الدقيق والمبرمج يمثل إعادة تعريف للعلاقة بين الإنسان والعالم الميكروبي. فبدلاً من سباق تسلح كيميائي متواصل ضد سلالات تتطور بسرعة، تفتح البيولوجيا التركيبية وهندسة العاثيات الباب أمام توظيف آليات الحياة نفسها لمواجهة اختلالاتها. ورغم أن الطريق نحو التطبيق السريري الواسع ما يزال يتطلب بحوثاً معمقة وتقييماً صارماً للسلامة والفعالية، فإن هذه الاستراتيجيات ترسم ملامح جيل جديد من العلاجات الذكية التي قد تشكل أحد أهم التحولات في تاريخ مكافحة الأمراض المعدية، حيث يصبح النظام الحي المبرمج أداة علاجية دقيقة في مواجهة الجراثيم المقاومة.